أبو الليث السمرقندي

364

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وروى مسروق عن ابن مسعود : قال زنى العينين النظر ، وزنى اليدين البطش ، وزنى الرجلين المشي ، وإنما يصدق ذلك الفرج ، أو يكذبه . فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما . وقال عكرمة : اللَّمَمَ النظر ، وحديث النفس ، ونحو ذلك . وروى طاوس ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ اللّه كتب على ابن آدم حظّه من الزّنى . فزنى العينين نظر النّاظر ، وزنى اللّسان النّطق ، والنّفس تتمنّى ، وتشتهي ، والفرج يصدّق ذلك أو يكذّبه » . وقال عبد اللّه بن الزبير : اللَّمَمَ القبلة ، واللمس باليد . وقال بعضهم : اللَّمَمَ كل ذنب يتوب عنه ولا يصر عليه . وروى منصور ، عن مجاهد قال : في قوله : إِلَّا اللَّمَمَ هو الرجل يذنب الذنب ، ثم ينزع عنه . وروي عن أبي هريرة : قال : اللَّمَمَ النكاح . وذكر ذلك لزيد بن أسلم فقال : صدق إنما اللمم لمم أهل الجاهلية . يقول اللّه تعالى في كتابه وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [ النساء : 23 ] . وروي عن الحسن أنه قال : اللَّمَمَ هو أن يصيب النظرة من المرأة ، والشربة من الخمر . ثم ينزع عنه . وروي عن مجاهد أنه قال : الذي يلم بالذنب ، ثم يدعه . وقد قال الشاعر : إن تغفر اللّهم تغفر جمّا * وأيّ عبد للّه لا ألمّا وقال بعضهم : إِلَّا اللَّمَمَ ومعناه : ولا اللمم . ومعناه : أن تجتنبوا صغائر الذنوب ، وكبائرها ، كما قال القائل : وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير ، والعيش . يعني : ولا اليعافير ، ولا العيس . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إيّاكم والمحقّرات من الذّنوب » . وسئل زيد بن ثابت عن قوله : إِلَّا اللَّمَمَ قال : حرم اللّه الفواحش ما ظهر منها ، وما بطن . ثم قال : إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ يعني : واسع الفضل ، غافر الذنوب للذين يتوبون . ويقال : معناه رحمته واسعة على الذين يجتنبون الكبائر . ثم قال : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ هو أعلم بحالكم منكم إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني : إذ هو خلقكم من الأرض . يعني : خلق آدم من تراب ، وأنتم من ذريته . وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ يعني : كنتم صغارا فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ كان هو أعلم بحالكم منكم في ذلك كله ، فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ يعني : لا تبرؤوا أنفسكم من الذنوب ، ولا تمدحوها . ويقال : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يعني : لا يمدح بعضكم بعضا . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التّراب » . والمدح على ثلاثة أوجه : أوله أن يمدحه في وجهه ، فهو الذي نهي عنه . والثاني : أن يمدحه بغير حضرته ، ويعلم أنه يبلغه ، فهو أيضا منهي عنه . والثالث : أن يمدحه في حال غيبته ، وهو لا يبالي بلغه أو لم يبلغه ، ويمدحه بما هو فيه ، فلا بأس بهذا . ويقال : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ يعني : لا تطهروا أنفسكم من العيوب . وهذا كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « النّاس كإبل مائة لم يكن فيها راحلة » . بِمَنِ اتَّقى يعني : من يستحق المدح ، ومن لا يستحق المدح .